الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
74
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويجوز عندي أن يكون الكلام تفريعا على جملة وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [ الزمر : 23 ] تفريعا لتعيين ما صدق ( من ) في قوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ويكون فَمَنْ يَتَّقِي خبرا لمبتدأ محذوف ، تقديره : أفهو من يتقي بوجهه سوء العذاب ، والاستفهام للتقرير . والاتقاء : تكلف الوقاية وهي الصون والدفع ، وفعلها يتعدى إلى مفعولين ، يقال : وفي نفسه ضرب السيف ، ويتعدّى بالباء إلى سبب الوقاية ، يقال : وقى بترسه ، وقال النابغة : سقط النصيف ولم ترد إسقاطه * فتناولته واتّقتنا باليد وإذا كان وجه الإنسان ليس من شأنه أن يوقى به شيء من الجسد ، إذ الوجه أعزّ ما في الجسد وهو يوقى ولا يتقى به فإن من جبلّة الإنسان إذا توقع ما يصيب جسده ستر وجهه خوفا عليه ، فتعين أن يكون الاتقاء بالوجه مستعملا كناية عن عدم الوقاية على طريقة التهكم أو التلميح ، فكأنه قيل : من يطلب وقاية وجهه فلا يجد ما يقيه به إلا وجهه ، وهذا من إثبات الشيء بما يشبه نفيه ، وقريب منه قوله تعالى : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ [ الكهف : 29 ] . و سُوءَ الْعَذابِ منصوب على المفعولية لفعل يَتَّقِي . وأصله مفعول ثان إذ أصله : وقى نفسه سوء العذاب ، فلما صيغ منه الافتعال صار الفعل متعديا إلى مفعول واحد هو الذي كان مفعولا ثانيا . وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ يجوز أن يكون وَقِيلَ عطفا على الصلة . والتقدير : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ، وقيل لهم فإن ( من ) مراد بها جمع ، والتعبير بالظالمين إظهار في مقام الإضمار للإيماء إلى أن ما يلاقونه من العذاب مسبب على ظلمهم ، أي شركهم . والمعنى : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب فلا يجد وقاية تنجيه من ذوق العذاب فيقال لهم : ذوقوا العذاب . ويجوز أن يكون المراد بالظالمين جميع الذين أشركوا باللّه من الأمم غير خاص بالمشركين المتحدث عنهم ، فيكون الظالمين إظهارا على أصله لقصد التعميم ، فتكون الجملة في معنى التذييل ، أي ويقال لهؤلاء وأشباههم ، ويظهر بذلك وجه تعقيبه بقوله تعالى : كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ الزمر : 25 ] .